كلمة عن المواطنة

كلمة عن المواطنة

  • 2018-06-30
  • 324

أصبحت المواطنة قضية تثير الاهتمام، وتطرح للبحث في لقاءات ومؤتمرات تعقد في مصر، وتشارك فيها وفود من دول العالم، وهو تطور إيجابي في موقفنا من هذه القضية الخطيرة التي لم يكن يبدو أننا نعرف لها حقها، والدليل علي هذا أنها كانت تتصدر المواد الأولي في الدساتير المصرية التي ظهرت خلال العقود الخمسة الأخيرة، لكنها كانت تنتهك دائما ليس فقط بأيدي جماعات الاسلام السياسي،ومنظماتها الإرهابية بل أيضا بأيدي الحكام والمسئولين الذين تولوا السلطة في تلك العقود، وها نحن نصحو علي الجرائم المروعة التي ارتكبت في سيناء ضد المسيحيين المصريين، وهي تدق نواقيس الخطر في أنحاء بلادنا وتوقفنا علي مايمكن أن نصير إليه لو بقينا علي ما نحن فيه نتكلم ولا نعني ما نقول، ونرفع الشعارات ونردد الهتافات ولا نعمل بها!.

والمواطنة كلمة جديدة في لغات العالم ومن باب أولي في لغتنا العربية التي لم تستخدم فيها من قبل كلمة المواطنة بالمعني الذي نقصده الآن حين نتحدث عن حقنا كمواطنين في أن نعيش معا في وطن يضمن لنا حياة كريمة نتمتع فيها بالحرية والعدالة والمساواة، وعدم التمييز ونكون في وطننا المصدر الوحيد لكل السلطات، وقد راجعت ما جاء في المعاجم العربية القديمة والحديثة فلم أجد للمواطنة إلا معني المواءمة والموافقة، أما الحياة الوطنية المشتركة بالشروط التي تعارف عليها البشر في العصور الحديثة التي أسقطوا فيها الطغاة وفصلوا بين الدين والدولة وأقاموا نظما حرة فلا وجود لها في معاجمنا حتي ما صدر منها في السنوات الأخيرة.

بل إن كلمة الوطن نفسها لاترد في معظم المعاجم العربية بمعناها السياسي الذي نعرفه الآن، وإنما ترد بمعني الموطن والمكان والموضع والمنزل.

وهو أمر مفهوم في لغة نشأت في البادية في عصور لم تكن تسمح ببناء وطن أو دولة بالشروط التي تعارفت عليها العصور الحديثة.

في العصور الماضية كانت الكيانات السياسية إما إمارات وإقطاعات صغيرة وإما ملكيات وراثية وامبراطوريات دينية، وفي هذه وتلك كان الولاء للقبيلة والملك والقيصر وأمير المؤمنين، فاذا كانت المجتمعات البشرية قد تطورت في العصور الحديثة، ونشأت فيها طبقات جديدة مستنيرة تحررت من هذه الأوضاع الموروثة، وأسقطت النظم التي قامت عليها وأعادت تشكيل الدول ورسم حدودها علي أسس وطنية لاتميز بين عرق وعرق أو بين دين ودين، وإنما تنظر فقط للروابط الجامعة والمصالح المشتركة والحقوق الطبيعية التي يولد بها الناس أحرارا متساوين ـ أقول إذا كانت المجتمعات البشرية قد تطورت علي هذا النحو فقد اتخذ كل منها طريقا خاصا به أتاح للبعض ما لم يتح للبعض الآخر.

نحن عرفنا الدولةالمركزية قبل غيرنا، لكننا فقدنا الدولة وفقدنا استقلالنا ولم نستعده إلا خطوة خطوة بعد نضال شاق طوال القرنين الأخيرين، أما الأوروبيون الذين بدأوا تاريخهم بعدنا بأكثر من ألفي عام فقد تحرروا قبلنا من الملكيات المستبدة والامبراطوريات الدينية ورسموا حدودهم السياسية وأنشأوا دولهم الوطنية قبلنا بعدة قرون، وفي الوقت الذي تخلصوا فيه من ثقافة العصور الماضية، وأنشأوا لأنفسهم ثقافات جديدة استجابوا فيها للواقع واحتكموا للعقل والضمير واعترفوا بحقوق الانسان والمواطن كنا نحن لانزال نتخبط في ظلمات الماضي ونجاهد للخروج من تبعيتنا للغزاة المحتلين ونخطو خطواتنا الأولي في الطريق إلي الاستقلال الوطني والحكم الدستوري، وهو طريق لم نصل فيه إلي غايته حتي الآن، بل نحن نواجه فيه عقبات ونتعرض لصدمات تضطرنا لأن نتردد ونتوقف ونتراجع أحيانا ونخلط الماضي بالحاضر والقديم بالجديد ونسمي الأشياء بغير أسمائها ونقع بالتالي في حبائل الذين يزيفون الحقائق ويستدرجوننا إلي حيث يشاءون.

الذين يزعمون أن الشوري هي الديمقراطية لايقصدون في الحقيقة إلا إبعادنا عن الديمقراطية بكلمة يستغلون ما تثيره فينا من مشاعر دينية لنقبل ترجمتهم السياسية لها وهي ترجمة نعود بها من جديد إلي نظم العصور الوسطي التي لم تعرف الديمقراطية وهي حكم الشعب نفسه بنفسه من قريب أو من بعيد، وكذلك يصنعون مع المواطنة التي آن لنا أن نعرفها علي حقيقتها حتي نلتزمها ونعمل بمقتضاها.

ونحن لانعرف المواطنة علي حقيقتها إذا ظننا أنها مجرد كلمة نفهمها بردها إلي الأصل الذي أشتقت منه، وهو الوطن، وإذن فالمواطنة لاتعني إلا الحياة مع الآخرين في وطن واحد.ولاشك أن المواطنة هي الحياة المشتركة في الوطن، لكن أي وطن؟ وأي حياة مشتركة؟ اليونانيون في أثينا الديمقراطية كانوا يعيشون حياة مشتركة، لكنهم كانوا فريقين لكل منهما نصيبه من هذه الحياة. الأحرار سادة يعملون بعقولهم، والعبيد آلات يعملون بأيديهم.

وكذلك كان الحال عندنا في ظل الحكام الأجانب الذين استولوا علي بلادنا، نحن فلاحون وهم أمراء ينوبون عن الله فلهم الأرض وما عليها، والعلاقة التي تربطنا بهم هي العلاقة التي تربطنا بالوطن الذي لانستطيع أن ننتسب إليه، لأننا لانملك فيه إلا ما يتنازل عنه الحكام لنقيم به أودنا، ونحن إذن في هذا الوطن رعايا ولسنا مواطنين.

كيف إذن نكون مواطنين؟

نكون مواطنين حين نكون أحرارا نحكم أنفسنا بأنفسنا، فالمواطنة لاتتحقق إلا في الديمقراطية. ونكون مواطنين حين نكون متساوين أمام القانون لايتميز فينا دين عن دين، ولامذهب عن مذهب. فالدين شأن خاص. وقد غيرنا ديننا نحن المصريين أكثر من مرة وبقينا مصريين، لأن الدين شأن خاص وعلاقة بين كل منا وربه، أما الوطن فهو حياتنا المشتركة التي لانستطيع أن نعيشها إلا جماعة بهذه الشروط التي تترابط وتتكامل لتتحقق بها المواطنة. فالأمن شرط للحرية. والحرية شرط للأمن، والمساواة شرط للعدالة، والعدالة شرط للمساواة، وحين يتعرض المواطنون للتمييز لاتكون مواطنة ولايكون مواطنون!

.http://www.ahram.org.eg/News/202193/4/581818/%D9%82%D8%B6%D8%A7%D9%8A%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%A1/%D9%83%D9%84%D9%85%D8%A9-%D8%B9%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%B7%D9%86%D8%A9.aspx